علي بن محمد البغدادي الماوردي
50
أدب الدنيا والدين
فاعرف أبكار الكلام « 1 » وعونه * واحفظ مما استفيد عيونه « 2 » ويزعم أن العلم لا بكسب الغنى * ويحسن بالجهل الذميم ظنونه فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي * فقيمة كل الناس ما يحسنونه وأنا أستعيذ باللّه من خدع الجهل المذلة وبوادر « 3 » الحمق المضلة وأسأله السعادة بعقل رادع يستقيم به من زل وعلم نافع يستهدي به من ضل . فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا استرذل « 4 » اللّه عبدا حظر « 5 » عليه العلم » . فينبغي لمن زهد في العلم أن يكون فيه راغبا ولمن رغب فيه أن يكون له طالبا ولمن طلبه أن يكون منه مستكثرا ولمن استكثر منه أن يكون به عاملا ولا يطلب لتركه احتجاجا ولا للتقصير فيه عذرا . وقد قال الشاعر : لا تعذراني « 6 » في الإساءة إنه * شرار الرجال من يسيء فيعذر ولا يسوف نفسه بالمواعيد الكاذبة ويمنيها « 7 » بانقطاع الأشغال المتصلة فإن لكل وقت شغلا ولكل زمان عذرا . وقال الشاعر « 8 » :
--> ( 1 ) أبكار الكلام وعونه : العون بضم العين جمع عوان . أراد بالأبكار ما كان مقبولا من جنس الكلام ، وبالعون ما كان مبتذلا بكثرة الاستعمال ، لأن العوان الأنثى التي نتجت بعد بطنها البكر . ( 2 ) عيونه : جمع عين ، والمراد : أعلاه وما كان قريبا من حد الإعجاز . ( 3 ) بوادر : جمع بادرة ، وهي ما تبدو في حال الغضب من خطأ أو هفوة . ( 4 ) استرذله : أراد رذله ، أي أن يجعله خسيسا دنيئا . ( 5 ) حظر : منع ، وحجر . ( 6 ) فلا تعذراني : هو من أعذر الرجل : صار ذا عذر ، والمراد : لا تجعلا عذري مقبولا . ( 7 ) يمنيهما : من التمنية ، يقال : منّاه إياه وبه أي جعل له أمنيته . ( 8 ) الشاعر : هو قثم بن حبيبة بن عبد القيس من معاصري الفرزدق وجرير .